ابو جعفر محمد جواد الخراساني
33
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
وحيث أنّ المدّعي قد ادّعى * دعوى على الخالق والخلق معا أشهد بالآيات والأخبار * ليسند الأمر بصنع الباري وليس في الآيات من دلالة * إذ بعضها ذمّ على الرذالة سديد . [ لا ثمرة لاستشهادهم بالآيات والروايات ] أمّا التأييد ، فإنّك خبير بأنّه فيما كان المطلوب المؤيّد له في نفسه ، أمرا ، ثابتا ، وجدانيّا أو مثبتا ، برهانيّا ؛ ففي مثله إذا وردت آية أو رواية ، كانت مؤيّدة له ، لثبوته في نفسه بدونها ؛ وقد عرفت أنّ الفطرة ليست إلّا دعوى على دعوى ، ولم يتمّ لها ثبوت في نفسها ولم تقع مبرهنا عليها ؛ مع أنّ التأييد بالأمر التعبدي لمّا كان أصل المتعبّد به في محلّ الإنكار ليس إلّا كالاستدلال . وأمّا الاستدلال ، فهو بعكس التأييد ؛ إنّما يصحّ فيما كان الاستشهاد بالآية أو الرواية بنظر الاستقلال ، لتكون دليلا مثبتا للمطلوب ، ولا يكون ذلك إلّا إذا لم يكن المطلوب ثابتا في نفسه . وحينئذ فالّذي يثبت بهما إنّما هو ثبوت تعبّدي ، وهو لا يفيد في مقام الدليل على اثبات الصانع بحيث يجعل من أدلّته الفطرة الّتي ثبتت بالتعبّد ، هذا . ولكنّ التحقيق بعد عدم تماميّة دعوى الفطرة في نفسها ، أنّه لو تمّت دلالة الآيات والروايات على ثبوتها ( مع أنها مغفولة ، مذهولة ، لا يجدها المقرّ في وجدانه ولا المنكر في جنانه ) لكان مفادها الحكاية عن الجعل بحسب الخلقة الأوّليّة والطينة الصرفة ؛ نظير الحكاية عن أنّ الأرواح خلقت قبل الأجساد ، وأنّها أقرّت في عالم الذرّ بالتّوحيد ، وغير ذلك ممّا لا علم لنا به ؛ إلّا أنّه لا يفيد إلّا تعبّدا محضا ، نظير التعبّد بأمثال تلك الأمور . كلّ ذلك على فرض تماميّة دلالتها ، ولكنّ الكلام بعد فيها فلنذكر ما استدلّ به وننظر في دلالته . استشهاد القائلين بالفطرة بالآيات والأخبار [ أدلة الفطرة من الآيات ] وحيث أنّ المدّعي للفطرة قد ادّعى دعويين ؛ أعني دعوى على الخالق والخلق معا ، أمّا على الخلق ، فلما مرّ ؛ وأمّا على الخالق ، فلأنّ من يدّعي الفطرة للبشر يدّعي على اللّه تعالى أنّه مودّعها فيه ، وجاعلها له ، وفاطره عليها ؛ فلا بدّ له في هذا الادّعاء على اللّه أيضا من إقامة شاهد . فلذلك أشهد للدعويين بالآيات والأخبار معا ؛ ليسند الأمر بصنع الباري تعالى أيضا ، ويستدلّ بها على الثبوت أو يؤيّده بها . وليس لا